ابن الجوزي

132

صيد الخاطر

وبين اللّه تعالى قرابة ولا رحم ، وإنما هو قائم بالقسط ، حاكم بالعدل ، وان كان حلمه يسع الذنوب ، إلا أنه إذا شاء عفا فعفا عن كلّ كثيف من الذنوب ، وإذا شاء أخذ باليسير ، فالحذر الحذر . ولقد رأيت أقواما من المترفين كانوا يتقلبون في الظلم والمعاصي باطنة وظاهرة ، فتعبوا من حيث لم يحتسبوا ، فقلعت أصولهم ، ونقض ما بنوا من قواعد أحكموها لذراريهم ، وما كان ذلك إلا أنهم أهملوا جانب الحق عز وجل ، وظنوا أن ما يفعلونه من خير يقاوم ما يجري من شر ، فمالت سفينة ظنونهم ، فدخلها من ماء الكيد ما أغرقهم . ورأيت أقواما من المنتسبين إلى العلم أهملوا نظر الحق عز وجل إليهم في الخلوات ، فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات فكانوا موجودين كالمعدومين ، لا حلاوة لرؤيتهم ، ولا قلب يحن إلى لقائهم . فاللّه اللّه في مراقبة الحق عز وجل ، فإن ميزان عدله تبين فيه الذرة ، وجزاؤه مراصد للمخطئ ولو بعد حين ، وربما ظن أنه العفو وإنما هو إمهال ، وللذنوب عواقب سيئة ، فاللّه اللّه . الخلوات الخلوات . البواطن البواطن . النيات النيات . فإن عليكم من اللّه عينا ناظرة ، وإياكم والاغترار بحلمه وكرمه ، فكم قد استدرج . وكونوا على مراقبة الخطايا مجتهدين في محوها ، وما شيء ينفع كالتضرع مع الحمية عن الخطايا فلعلّه ! وهذا فصل إذا تأمله المعامل للّه تعالى نفعه ، ولقد قال بعض المراقبين للّه تعالى : قدرت على لذة وليست بكبيرة ، فنازعتني نفسي إليها اعتمادا على صغرها ، وعظم فضل اللّه تعالى وكرمه . فقلت لنفسي : ان غلبت هذه فأنت أنت ، وإذا أتيت هذه فمن أنت ؟ وذكّرتها حالة أقوام كانوا يفسحون لأنفسهم في مسامحة كيف انطوت أذكارهم ، وتمكنت عقوبة الاعراض منهم ، فارعوت ورجعت عما همت به واللّه الموفق . 84 - لا تستصغر الذنوب كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة ، وهي تقدح في الأصول ،